تحليل التناقضات الجوهرية في الاقتصاد الأمريكي
نركز في هذا العدد على التناقضات الهيكلية الأكثر حدة التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي حاليًا، وكيف ستحدد هذه التناقضات مسار سياسة أسعار الفائدة في المستقبل. يراود الكثيرين أوهام غير واقعية بشأن خفض الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة، معتقدين أن خفض أسعار الفائدة وحده كفيل بحل جميع المشاكل، لكن هذا الرأي يتجاهل تمامًا التحول الجذري في النموذج الاقتصادي العالمي الذي حدث بالفعل.
التناقض الأول: فخ تسييس بيانات التوظيف
كان إطار صنع القرار في السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي يستند في الأصل إلى هدفين أساسيين: السيطرة على التضخم واستقرار التوظيف. وقد أرسل باول مؤخرًا إشارات واضحة بأن محور سياسة الاحتياطي الفيدرالي قد تحول من مكافحة التضخم إلى الحفاظ على التوظيف، وبمجرد أن تضعف بيانات التوظيف على المدى القصير، سيصبح خفض أسعار الفائدة خيارًا حتميًا.
لكن هذا المنطق يواجه الآن عائقاً قاتلاً: تدخل ترامب المباشر في نظام إحصاءات التوظيف. فقد أثار خفض مكتب إحصاءات العمل الأمريكي بشكل كبير لبيانات التوظيف غضب ترامب، الذي قام على الفور بإقالة مدير المكتب واستبداله بمقربه إي. جيه. أنتوني. وبمجرد تولي المدير الجديد منصبه، أعلن على الفور تأييده لترامب، بل واقترح تغيير تقرير التوظيف الشهري ليصبح ربع سنوي. ورغم أن التقرير الشهري لم يتوقف رسمياً بعد، إلا أن الإشارة أصبحت واضحة للغاية: يجب أن تكون بيانات التوظيف خلال فترة ولاية ترامب “جيدة”، ولن يُسمح بنشر أي بيانات ضعيفة قد تؤثر على حملته الانتخابية.
وإذا تم بالفعل تجميل بيانات التوظيف بشكل مصطنع وفقاً لطلب ترامب، فسوف يقع باول في مأزق. كان يعتزم في الأصل خفض أسعار الفائدة بحجة ضعف سوق العمل، ولكن إذا أظهرت البيانات المزيفة أن سوق العمل في حالة ازدهار غير عادي، فإن احتمالية خفض أسعار الفائدة في شهري أكتوبر وديسمبر ستنخفض بشكل مباشر. والأسوأ من ذلك، إذا عاد التضخم في السلع والخدمات إلى الارتفاع في نفس الفترة، فسوف يقع بنك الاحتياطي الفيدرالي في مأزق لا مخرج منه. هذه هي الحقيقة الأكثر سخافة في الاقتصاد الأمريكي الحالي: لقد زعزعت التدخلات السياسية بالفعل الأساس الواقعي لاتخاذ قرارات السياسة النقدية.
التناقض الثاني: هل يمكن لخفض أسعار الفائدة أن ينقذ الاقتصاد حقًا؟
تناقش الغالبية العظمى من التحليلات في السوق حجم وتيرة خفض أسعار الفائدة، لكن قلة قليلة تشكك في مسألة أكثر جوهرية: هل لا يزال خفض أسعار الفائدة فعالاً في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الحالية؟ ما نواجهه الآن ليس تقلبات دورية اقتصادية عادية، بل خمسة تحولات هيكلية في النموذج السائد، ولا يمكن حل أي منها بخفض أسعار الفائدة:
أولاً، انعكست العولمة تماماً، ونظام التجارة العالمي ينقسم إلى عدة كتل مستقلة عن بعضها البعض، وقد دخلت عملية العولمة العكسية مرحلة الانتقال من المرحلة المبكرة إلى المرحلة المتوسطة؛ ثانياً، سقطت أسواق السندات في الدول المتقدمة والنظام النقدي الدولي الحالي في أزمة لا رجعة فيها، وتجاوزت مستويات الديون الحدود الآمنة التي تحددها النظريات التقليدية؛ ثالثاً، تستمر المخاطر الجيوسياسية العالمية في التصاعد، ويتسارع تفكك النظام الأمني الذي أعقب الحرب الباردة، ودخلت المنافسة بين القوى العظمى مرحلة حامية الوطيس؛ رابعاً، تعمل ثورة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل علاقات العمل التقليدية ونظام التعليم وهيكل التوظيف بشكل جذري، وتفوق قوة تأثيرها بكثير جميع الثورات الصناعية السابقة؛ خامساً، تشهد الساحة العالمية صعوداً كبيراً للحركات الشعبوية والأحزاب اليمينية المتطرفة، وتزداد بوضوح السمات القصيرة النظر وغير العقلانية في صنع القرار السياسي.
لا داعي للحديث عن خفض سعر الفائدة بنسبة 1.5 نقطة مئوية، فحتى لو تم خفض سعر الفائدة إلى الصفر، لن تشهد هذه المشكلات الهيكلية أي تحسن. ناهيك عن أن آلية انتقال السياسة النقدية تتسم بسلسلة طويلة للغاية: بعد خفض سعر الفائدة، يجب أن تقوم الشركات أو الأفراد أو القطاعات الحكومية بزيادة الرافعة المالية بشكل استباقي، حتى يتسنى توليد طلب جديد؛ وبعد ارتفاع الطلب، تقوم الشركات بتوسيع الإنتاج وزيادة التوظيف؛ ويؤدي تحسن فرص العمل إلى ارتفاع الدخل، مما يدفع الاستهلاك بشكل أكبر، ويشكل حلقة إيجابية. وإذا ظهرت مشكلة في أي حلقة من هذه الحلقة، فإن فعالية السياسة النقدية ستتضاءل بشكل كبير.
كان خفض أسعار الفائدة فعالاً في الماضي، إلى حد كبير، لأنه كان قائماً على أساس الهيمنة النقدية الأمريكية، حيث كان بإمكان الدولار الأمريكي تحويل التكاليف إلى العالم بأسره. لكن الهيمنة النقدية الأمريكية قد تضاءلت بشكل ملحوظ الآن، والاعتماد مرة أخرى على خفض أسعار الفائدة لحل جميع المشاكل لن يؤدي في النهاية إلا إلى دفع الولايات المتحدة إلى فخ السيولة — حيث تستمر السياسة النقدية في التوسع، لكن الاقتصاد لا يظهر أي تحسن، بل على العكس، يظل التضخم مرتفعاً.
إن منطق سياسة إدارة ترامب الحالي المتمثل في “نريد هذا ونريد ذاك” هو في جوهره تأجيل جميع التناقضات، وترك كومة من المشاكل المستعصية للحكومة القادمة. فالتحفيزات السياسية قصيرة الأجل لا يمكن أن تجلب ازدهاراً اقتصادياً طويل الأمد، والمشاكل الهيكلية لا يمكن حلها في النهاية إلا من خلال إصلاحات هيكلية، وهذا بالضبط هو أكثر ما يعجز النظام السياسي الأمريكي الحالي عن تحقيقه.